مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لا تفهمونا غلط

هرمز يكشف الحقيقة المرة.. نهاية زمن التحالفات وبداية زمن المصالح

 

المشهد الدولي الذي نعيشه اليوم يكشف تحولا عميقا في شكل النظام العالمي، ويؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة عنوانها المصالح المباشرة لا التحالفات التقليدية، والربح والخسارة لا الشعارات السياسية، وقد لعب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دورا محوريا في تسريع هذا التحول، حيث لم يكتف بإدارة الصراعات القائمة، بل أعاد صياغة قواعد التحالفات الدولية نفسها، محولا العلاقات بين الدول من شراكات استراتيجية طويلة الأمد إلى صفقات مؤقتة تقوم على من يدفع يحصل على الحماية ومن يرفض يتحمل النتائج وحده، وقد ظهر ذلك بوضوح في سياسات واشنطن خلال الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وفي القرارات الأحادية التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دون تنسيق حقيقي مع حلفائه، سواء في إدارة الحرب أو في ملفات الطاقة والممرات المائية والعقوبات الاقتصادية، وكذلك في طريقة تعامله مع ملف الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تعامل مع الأزمة من منطلق المصلحة الأمريكية المباشرة لا من منطلق التحالف الغربي التقليدي، فربط الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا بحسابات الربح والخسارة، بدأ يطالب الدول الأوروبية بتحمل الجزء الأكبر من تكلفة الحرب باعتبار أن أمن أوروبا هو مسؤولية أوروبا أولا، وهو ما أثار توترا واضحا بين واشنطن والعواصم الأوروبية التي رأت أن الإدارة الأمريكية تدير الحرب بعقلية التاجر لا بعقلية قائد تحالف، الأمر الذي عمق الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، وأظهر أن التحالف الغربي لم يعد متماسكا كما كان في السابق، بل أصبح تحالف مصالح مؤقتة قد يتغير في أي لحظة وفقا للحسابات الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة.وهو ما أثار غضب حلفائه الأوروبيين ودفع كثيراً من دول أوروبا إلى التراجع عن تقديم دعم عسكري مباشر للولايات المتحدة، كما ظهر انقسام واضح داخل حلف شمال الأطلسي الذي وجد نفسه أمام رئيس أمريكي يتخذ قرارات الحرب والسلام بشكل منفرد ثم يطالب الحلفاء بتحمل التكلفة، وهو ما دفع أوروبا إلى تبني سياسة الحذر والابتعاد عن المواجهة العسكرية، خوفا من أن تتحول إلى طرف يدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية وأزمات الطاقة التي تعاني منها القارة الأوروبية، وهكذا بدأت الثقة تتآكل بين واشنطن وحلفائها التقليديين، في مشهد يكشف أن العالم يتجه نحو نظام دولي جديد لا تحكمه التحالفات بقدر ما تحكمه المصالح المباشرة وموازين القوة.لقد هزت تصريحات ترامب أركان النظام الدولي عندما أعلن بوضوح أن زمن الحماية المجانية قد انتهى، وأن الولايات المتحدة لن تستمر في حماية حلفائها دون مقابل، وجاءت هذه التصريحات في ظل اشتعال المواجهة مع إيران وإغلاق مضيق هرمز وما تبع ذلك من أزمة طاقة عالمية، حيث استخدمت واشنطن النفط ووقود الطائرات كسلاح ضغط سياسي على أوروبا، في رسالة واضحة مفادها أن من يريد استمرار تشغيل مطاراته وقواعده العسكرية فعليه أن يدفع ثمن الوقود وأن يتحمل نصيبه من المواجهة العسكرية.
بهذا المنطق أعاد ترامب تعريف التحالفات الدولية، فلم تعد التزامات أخلاقية أو تاريخية، بل تحولت إلى عقود منفعة متبادلة، وهو ما وضع أوروبا أمام مأزق حقيقي، خاصة بعد أن رفضت دولها الكبرى الانخراط في الحرب ضد إيران، وأعلنت أن هذه الحرب ليست حربها، وهو ما خلق فجوة ثقة عميقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في حلف شمال الأطلسي، حيث شعرت الإدارة الأمريكية أن أوروبا تريد الاستفادة من نتائج الحرب دون أن تتحمل تكلفتها.
وقد تجلى هذا الخلاف بشكل واضح في ملف تأمين الملاحة في مضيق هرمز، حين أعلن ترامب أن من يريد فتح المضيق عليه أن يذهب ويفتحه بنفسه، في رسالة صريحة لبريطانيا وفرنسا وألمانيا بأن الولايات المتحدة لن تحرق وقود طائراتها ولن ترسل جنودها لحماية نفط يتجه إلى الموانئ الأوروبية بينما ترفض هذه الدول المشاركة في القتال، وهو ما اعتبر ضربة قوية لفكرة الأمن الجماعي التي تأسس عليها حلف الناتو لعقود طويلة.
إن الموقف الأوروبي الذي اتسم بالحذر والابتعاد عن المواجهة العسكرية فجر غضب واشنطن، حيث ترى الإدارة الأمريكية أن الحلفاء في أوروبا اكتفوا ببيانات القلق بينما تتحمل الولايات المتحدة وحدها أعباء المواجهة، ومن هنا جاءت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة القائمة على مبدأ بسيط، إذا كانت الحرب ليست حربكم فإن نتائجها ليست مسؤوليتنا، وإذا أردتم الأمن فعليكم أن تدفعوا ثمنه.
هذا التحول يعكس حقيقة أن العالم يدخل مرحلة ما بعد التحالفات التقليدية، حيث تتراجع الثقة ويصعد منطق المصالح المباشرة، وهو ما يضع دول العالم أمام واقع جديد يتطلب الاعتماد على الذات وبناء تحالفات قائمة على القوة لا على الوعود، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكلفة الحروب والطاقة.
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن النظام الدولي يتغير بسرعة، وأن أوروبا بدأت تدرك أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة إلى الأبد، وأن عليها بناء قدراتها الدفاعية والاقتصادية بشكل مستقل، كما أن دول المنطقة بدأت تدرك أن التحالفات الخارجية لا توفر دائما الحماية الكاملة، وأن المصالح الدولية قد تتغير في أي لحظة وفقا للحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
ولعل ما حدث لدول الخليج خلال هذه الحرب يمثل درسا قاسيا في فهم طبيعة التحالفات الدولية، حيث تحولت بعض هذه الدول إلى ما يشبه الحائط البشري لحماية القواعد الأمريكية، كما أن تعرض الدوحة لضربات إسرائيلية رغم علاقاتها الوثيقة بواشنطن يثبت أن التحالفات لا تمنح ضمانات مطلقة، وأن الدول الصغيرة والمتوسطة قد تجد نفسها في قلب الصراع رغم تحالفاتها، وهو ما يجب أن يدفع العالم العربي كله إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن القومي العربي.
إن المرحلة الحالية تفرض على الدول العربية مراجعة شاملة لسياساتها، لأن العالم يتجه إلى التكتلات الكبرى والقوى المشتركة، ولم يعد هناك مكان للدول المتفرقة التي تعتمد على حماية الآخرين، فالقوة الحقيقية اليوم ليست في الثروة وحدها ولا في التحالفات المؤقتة، بل في القدرة على بناء تكتل اقتصادي وعسكري وسياسي قادر على حماية مصالحه وفرض إرادته في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
ومن هنا فإن الدرس الأهم من كل ما يحدث هو أن الأمن العربي لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة عربية مشتركة، وجيش عربي قادر على حماية المنطقة، وسوق عربية مشتركة تحقق التكامل الاقتصادي، وجامعة عربية قوية تمتلك قرارا موحدا، لأن البديل عن ذلك هو أن تظل الدول العربية ساحات لصراعات الآخرين، وممرات لقواعدهم العسكرية، وأوراق ضغط في صراعاتهم الدولية.

إن ما يجري حولنا اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل إعادة تشكيل لخريطة النفوذ في العالم، ومن لا يكون حاضرا في هذه اللحظة التاريخية بقراره وقوته سيتحول إلى مجرد رقم في حسابات القوى الكبرى، لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يواجه العالم العربي ليس الحروب فقط، بل استمرار الانقسام والاعتماد على الآخرين في حماية الأمن والمصالح، لأن التاريخ أثبت أن الدول لا يحميها إلا أبناؤها، ولا تصنع مكانتها إلا وحدتها وقوتها.
إن العالم يتغير بسرعة، ومن لا يغير طريقة تفكيره وسياساته سيتحول إلى مجرد ساحة يتحرك فوقها الآخرون، أما من يملك الإرادة والوحدة والتكامل فسيكون قادرا على حماية نفسه وصناعة مستقبله، وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع قبل أن تتكرر الدروس القاسية مرة أخرى، فالتاريخ لا يرحم الضعفاء، ولا ينتظر المترددين، وإنما يكتب دائما بأيدي الأقوياء الذين يعرفون متى يتحدون ومتى يقررون ومتى يصنعون مصيرهم بأيديهم.

مصطفي البلك
[email protected]